التصنيفات
الحياة الزوجية

ضع دستوراً مكتوباً لأسرتك لسعادتك

في يوم من الأيام ، وعقب انتهاء طعام العشاء ، جلسنا متحلقين كعادتنا في نهاية الأسبوع حول الشاشة الفضية " التلفزيون " … كان البرنامج وثائقي يتحدث عن دساتير الدول … الدستور هو وثيقة مكتوبة تتضمن القواعد الأساسية في أي دولة، مثل القوانين والأنظمة. الدستور البريطاني يوصف بأنه مرن، إذ يمكن تعديله بقانون برلماني عادي أو بطريق أحكام القضاء. أما الدستور الأمريكي فمن الدساتير الجامدة، يختلف عن القوانين العادية للولايات… لم أعد أسمع كل ما يقوله المذيع من تعليقات، ولم أعد أشاهد صور مباني البرلمان ولا أعضاءها… كل ما كان يدور في ذهني مجموعة من الأسئلة والتساؤلات " ما الهدف من زواجنا ؟ " ، " ما هو الشيء الضروري لضمان استمرار هذه الزيجة ؟ " " ما هي أسمى أهداف هذا الزواج ؟ " " هل حققت فعلاً أهدافي في بناء ثقافة موحدة للأسرة، تسير على نسق واحد، وتتجه إلى وجهة واحدة يتفق عليها الجميع نحو هدف واحد. أم أن الحياة الأسرية أصبحت تمضي دون رؤية مستقبلية، وأصبحت في مهب الريح تتقاذفهم أمواج الحضارة وتجرفهم تيارات المجتمع بقيمه وعاداته دون إحساس بالهدف، أي أنهم ببساطة بدءوا يخرجون عن النص المعد لهم. إنهم لا يعيشون الحياة، بل إن الحياة هي التي تعيشهم. في يوم زواجنا 5/10/1975م وعقب انتهاء مراسم حفل الزفاف في مكة المكرمة، قررت أنا وعروس – عفواً أقصد زوجتي – أن نرسم خطاً واضحاً لحياتنا الزوجية المستقبلية، تحدثنا في الليلة الأولى عن النقاط الأساسية لنمط تلك الحياة… وفي الليلة الثالثة وعلى متن إحدى الطائرات المتجهة من جدة على الرياض تحدثنا عن حفل الزفاف والمعنى الذي يتضمنه، وكيف سنلتزم به طوال حياتنا معاً، تحدثنا عن أسرتنا الحديثة والأشياء التي نود تغييرها. كما أكدنا لبعضنا البعض أن زواجنا ليس مجرد علاقة ينص عليها عقد ، إنها علاقة " تعاهدية " وكان التزام كل واحد منا للآخر التزاماً مطلقاً وكاملاً ودائماً ، كما أكدنا على أن هذا العهد ليس فيما بيننا وحسب ، بل مع الله كذلك ، وقررنا أننا إذا أردنا أن نحب بعضنا البعض أكثر ، فلابد أن نحب الله أولاً .
لهذا قررنا أن نضع المبادئ في مواجهة بعضها البعض، وفي مواجهة أسرتنا، وشعرنا أن قراراً واحداً، أكثر من أي عامل آخر منفرد قد منحنا القدرة على الاعتذار، على الصفح، والعطف، على العودة من حين لآخر إلى مسارنا الصحيح. لقد اكتشفنا أنه كلما تركزت حياتنا على هذه المبادئ ، ازددنا حكمة وقوة – خاصة في الظروف التي تضطر أفرادها للخضوع والتركيز على أشياء أخرى مثل العمل أو المال أو الممتلكات أو حتى الأسرة ذاتها ، وتوصلنا إلى قناعة بأننا لو لم نتوصل إلى هذا القرار ، لاضطررنا للتعامل مع بعضنا البعض تبعاً لأهوائنا الشخصية ، أو اعتماداً على محبة الأطفال لنا ، وكنا سنتعامل تلبية لحاجتنا للأمان ، وليس انطلاقاً من استقامتنا الذاتية .
وخلال ساعتين كنا نتحدث في أدق التفاصيل…. ولحسن الحظ كانت الطائرة شبه فارغة وإلا كان برنامجنا الزوجي قد انكشف وتداولته الألسنة والأقلام .
ومع مرور الأيام والليالي والشهور والسنيين كبُر الأطفال وأصبحوا رجالاً ونساء وأصبح لديهم أطفالاً هم أحفادنا.
والليلة، وعلى متن إحدى الطائرات المتجهة من الرياض إلى جدة… جلست أنا وزوجتي، عفواً أقصد رفيقتي نتذكر الماضي وليلة السفر إلى الرياض، تلك الليلة كانت بمثابة الدليل الذي وجهنا، وأن مناقشاتنا وأنشطتنا الأسرية هي التي جعلتنا نخطط جيداً لأوقات فراغنا بأسلوب جعلنا نقترب من بلوغ حلمنا. تعلمنا كيف نعيش من خلال قدرتنا على التصرف ، لقد أردنا أن يجتهد أبناؤنا في تعليمهم المدرسي ، وأن يحصلوا من العلم قدر ما استطاعوا ، وألا يلجئوا إلى طرق وأساليب مختصرة ليحصلوا على الدرجات والشهادات .
أدركنا أن الأسرة هي أهم وأعظم مؤسسة في العالم ، إنها لبنة البناء في جدار المجتمع ، ولا يمكن أن تقوم قائمة أية حضارة دون تماسك الأسرة ، ولا أن تحقق أية مؤسسة أخرى في الوجود دورها المهم الذي تلعبه ، وعلى الرغم من ذلك فإن معظم أفراد الأسرة الواحدة لا يتفقون على رؤية واحدة للمغزى الحقيقي للأسرة وأهدافها المنشودة ، فهم لم يجتهدوا بما فيه الكفاية ، كي يتوصلوا إلى رؤية مشتركة ونظام مبادئ واحد ، وهذا هو جوهر ثقافة وشخصية الأسرة .
ولهذا اقتنعنا بضرورة أن نضع بياناً لمهمة أسرتنا ، وكان لزاماً علينا أن نتوصل إلى رؤية خاصة للشكل الذي نريد أن تكون عليه أسرتنا ، والمناخ الذي ستعيش فيه ، والمبادئ التي سنعمل بها ، حتى لو كلفنا ذلك حياتنا ، وهذه الرؤية سيشترك فيها كل أفراد الأسرة ويعتبرونها ملكية خاصة لهم ، وليس لي أنا ووالدتهم فقط .
والآن اسمح لي… عزيزي القارئ أن أسألك خمسة أسئلة وآمل أن تجيب عليها بكل صدق و صراحة :
1. ما هي الأسرة التي تريدها فعلاً ؟
2. ما هو البيت الذي تود أن تدعو إليه أصدقاءك ؟
3. ما هي الأمور التي تجعلك تشعر بالحرج من أسرتك ؟
4. ما الذي يجعلك تشعر بالراحة في البيت ؟
5. ما الذي يجعلك تشتاق للعودة إلى البيت ؟
لا أستطيع أن أصف لك عزيزي القارئ كيف كانت الأمور تسير في حياتنا الأسرية خلال أكثر من ربع قرن ، بالتأكيد لم تخل حياتنا الأسرية من المشاكل ، لكننا كنا نشعر دائماً بأن منزلنا – مهما حدث – هو مصدر الأمان ، والنظام ، والحق ، والحب ، والسعادة ، والراحة . إذا تصرف أحدنا بمفرده كان يتحمل مسؤولية تصرفه، وإذا تعاونا جميعاً تعاوناً بفاعلية . كنا نحاول أن نخدم أهداف المجتمع التي تستحق الخدمة، وشعرنا بالرضا والسعادة، لأننا بدأنا نرى ثمار هذه الجهود تتجسد في حياة أبنائنا المتزوجين الذين أصبحت لديهم أسرهم الخاصة.
وعندما تفاعلنا مع بعضنا البعض ، تحول الوعي بالذات إلى الوعي بالأسرة ، أي أصبحت لدينا القدرة على أن ننظر إلى أنفسنا باعتبار أننا أسرة واحدة ، أما الضمير الفردي فقد تحول إلى ضمير الأسرة ، أي أن الطبيعة الأخلاقية لكل واحد منا ، والتي يشترك فيها مع الآخر أصبحت توحدنا ، وهذا التوحد جاء نتيجة لمناقشتنا للأمور بوضوح ، والاتفاق على موقفنا منها ، أما الخيال فقد تحول إلى قدرة تعاونية خلاقة عندما كنا نتباحث في أمور شتى ونتوصل إلى شيء واحد نتفق عليه ، أما الإرادة المستقلة فأصبحت إرادة جماعية ، أو إرادة اجتماعية ، عندما كنا نتعاون معاً من أجل إنجاز أمر ما .
الخلاصة التي خرجت بها من خلال تجربتي الأسرية، وقراءاتي لتجارب العديد من الأسر في كل أرجاء العالم، أستطيع أن أضع بين يديك أفضل ما قرأت في هذا المضمار:
الخطوة الأولى: حدد الهدف من تكوين أسرة.
الهدف من هذه الخطوة هو أن تضع مشاعر وأفكار أفراد أسرتك على المائدة، وبناء على الوضع الحالي للأسرة، يمكنك أن تختار وسيلة واحدة من بين عدة وسائل تمكنك من عمل ذلك.
إذا كانت أسرتك الآن لا تضم سواك أنت وزوجتك، يمكنكما التوجه إلى مكان تقضيان فيه عدة أيام بمفردكما أو حتى بضع ساعات، وتستمتعان بخلوتكما معاً. عندما تشعران بأن الجو أصبح ملائماً، ابدءا في تصور حياتكما والعلاقة التي تودان أن تربط بينكما على مدى السنوات العشر، الخمس والعشرين، أو حتى الخمسين القادمة. يمكننا استلهام بعض الومضات من الكلمات التي تبادلتماها أثناء مراسم الزواج. إذا لم تستطيعا تذكر تلك الكلمات، فربما يكون من الأفضل أن تركزا عليها تلك الكلمات في حفلات زفاف الأقارب والأصدقاء. يمكنكما أيضاً أن تطرحا هذه الأسئلة للنقاش:
كيف نريد أن نكون كشريكي حياة ؟
كيف نريد أن نعامل بعضنا البعض ؟
كيف نريد أن نحل خلافاتنا ؟
كيف نريد التعامل مع مسائلنا المالية ؟
كيف نريد أن نكون كوالدين ؟
ما هي المبادئ التي نريد تلقينها لأبنائنا ، كي نساعدهم على الاستعداد لمرحلة النضوج والتحلي بالمسؤولية والحب في حياتهم ؟
كيف نصقل مهارات كل ابن من الأبناء على حدة ؟
ما هو نوع الانضباط الذي نرغب في إتباعه مع الأبناء ؟
ما هي الأدوار التي سيتولاها كلانا ( العمل، إدارة الأمور المالية، إدارة المنزل ) ؟
كيف نحافظ على صلة الرحم بيننا وبين بقية أسرتنا ؟
ما هي التقاليد التي ورثناها أنا وزوجتي من أسرتينا ؟
ما هي التقاليد التي نريد الحفاظ عليها والتقاليد التي نريد إضافتها ؟
ما هي الصفات التي اكتسبتها أنا وزوجتي من خلال تعاملنا مع أجيال مختلفة في أسرتينا وما هي تلك التي نريد الحفاظ عليها والأخرى التي نريد نبذها ؟
ما هو الأسلوب الذي نريد أن نتبعه في عطائنا لمن حولنا ؟
مهما كانت الطريقة التي تلجأ إليها أنت وزوجتك ، تذكر أن الأسلوب مهم تماماً كأهمية المنتج النهائي نفسه . لا تبخلا على نفسكما بالوقت . حاولا وضع أساس جيد لبنك العواطف . ادرسا هذه الموضوعات بعمق وفهم. تأكدا من أن المنتج النهائي يماثل كل ما يتطلع إليه قلباكما وعقلاكما.
قد يتصور أحد الزوجين أن الأسرة تقتصر على الأب والأم والأبناء ، وقد يرى الآخر أن مفهوم الأسرة يعني الأسرة بأجيالها المتعاقبة ، وبالتالي يؤمن بضرورة التواصل والتفاعل مع العمات والخالات ، وأبناء العم وأبناء الخال والأجداد وهكذا . قد يرى أحد الزوجين أن الحب مجرد شعور، وقد يرى الآخر ضرورة التفاهم ومواجهة المشاكل لا الهروب منها. قد يرى أحدهما الاختلافات على أنها نقطة ضعف ، وقد يراها نقطة قوة ، إذن فأسلوب معالجة كل فرد لأي أمر من هذه الأمور هو نتيجة لخبراتهم التي مروا فيها بنماذج مشابهة في حياتهم ، وفي أي زواج لابد من الاتفاق على تلك الأساليب والعمل على التقريب بينها .
هذا التقارب – هذه المشاركة والاتفاق على كل الأدوار المتوقع أن يضطلع بها كل فرد على حدة ، والأساليب التي سيتم إتباعها لعلاج المشكلات ، وهذا التكوين المشترك للرؤية والقيم والعلاقة هو ما يسمى " بالمشاركة في صنع المهمة " ، بعبارة أخرى ، هو ما يعني جمع المهمات أو الأهداف وضمها معاً ، وهو ما يعني أيضاً ربط تلك المهام بعضها بالبعض ، كي يكون لها نفس الوجهة والمصير ، وقوة المشاركة في صنع المهمة تكمن في أنها عملية تلغى " طريقك " أو " طريقي " . إنها تخلق طريقاً جديداً، طريقاً أرفع وأسمى، " طريقنا " معاً. إنها عملية تمكن الزوجين من اكتشاف نقاط الاختلاف بينهما وعلاجها من أجل التغلب على مشاكلهما بأسلوب يمكنهما من فتح حساب في بنك العواطف وتحقيق نتائج إيجابية.
هذه المشاركة من جانب الزوجين لها أهمية وحيوية كبرى، ولها تأثير عظيم على علاقتهما وعلى الأسرة ككل.
وعندما يذهب أبناؤكما إلى حال سبيلهم، فقد ترغبان في طرح هذه الأسئلة للإجابة عليها:
ماذا عسانا أن نفعل ، كي ندعم سعادة ونشوء أبنائنا وأحفادنا ؟
ما هي احتياجاتهم التي يمكننا أن نساعدهم على تلبيتها ؟
ما هي المبادئ التي نريد أن تحكم علاقتنا بهم ؟
ما هي الطريقة الملائمة للتدخل في حياتهم وحياة أسرهم ؟
كيف نساعدهم في وضع بيان بمهمة أسرهم ؟
كيف نشجعهم على التعامل مع تحدياتهم ومشاكلهم بما يتسق مع مهامهم ؟
كيف نساعدهم على أن يحبوا العطاء ؟
* * *
الآن سنضع الدستور الذي يحقق مهمة أسرتنا، في النقاط الآتية:
نتعامل بصدق مع أنفسنا ومع الآخرين
نهيئ مناخاً من الدعم والتشجيع لتحقيق أهدافنا في الحياة
نحترم ونقبل شخصية كل واحد منا ومواهبه
نسعى للحفاظ على جو من الحب والعطف والسعادة
ندعم محاولات الأسرة لتحسين المجتمع
نحرص على التحلي بالصبر أثناء فهمنا لبعضنا البعض
نعالج الصراعات بيننا بالابتعاد عن الغضب
نسعى دوماً لفهم كنوز الحياة الثمينة
منزلنا سيكون هو المكان الذي تجد فيه أسرتنا، وأصدقاؤنا وضيوفنا البهجة والراحة والطمأنينة والسعادة، سوف نسعى إلى تهيئة مناخ منظم ومرتب، يمكن العيش فيه براحة وسلام. سوف نتحلى بالحكمة في اختيار ما نأكله، وما نقرأه، وما نراه، وما نفعله داخل منزلنا. نريد أن نعلم أبناءنا كيف يحبون ويتعلمون ويضحكون ويعملون وي
صقلون مواهبهم.وسيكون شعارنا : [fot1]أسرتنا أسرة سعيدة ، يستمتع أفرادها باللهو معاً [/fot1].
كلنا نشعر بالأمان والانتماء . كلنا نتعاون ونساعد بعضنا البعض، سواء في قدراتنا الظاهرة أو الكامنة. نحرص على إظهار الحب دون شروط ، والإلهام دون حدود . نحن أسرة تساعد على النمو العقلي والبدني والاجتماعي والعاطفي والروحي . نحن نناقش كل جوانب الحياة ونستكشفها معاً. نحن نحرص على مظاهر الحياة ونحمي البيئة . نحن أسرة يخدم أفرادها بعضهم البعض ويخدمون المجتمع. نحن أسرة تحافظ على النظافة والنظام. نحن نؤمن بأن اختلاف الجنس والثقافات منحة من الله . نحن نشكر الله على فضله ورحمته . نتمنى أن نذهب ونترك في الأرض سيرة طيبة عن أهمية الأسرة وضرورة ترابطها.

دستوراً مكتوباً لأسرتك 51aeef4086.gif
[fot1]مع تحيات :شهر زاد[/fot1]


لقراءة ردود و اجابات الأعضاء على هذا الموضوع اضغط هناسبحان الله و بحمده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.